فخر الدين الرازي

187

تفسير الرازي

من نذير من قبلك ) * ( القصص : 46 ) ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد ، فقال تعالى : * ( أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم ) * وقوله : * ( يمشون في مساكنهم ) * زيادة إبانة ، أي مساكن المهلكين دالة على حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها ، وقوله تعالى : * ( إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ) * اعتبر فيه السمع ، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم ، فقال أفلا يسمعون ، يعني ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه . ثم قال تعالى * ( أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الاَْرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . قوله تعالى : * ( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) * لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد الله ، والجرز الأرض اليابسة التي لا نبات فيها والجرز هو القطع وكأنها المقطوع عنها الماء والنبات . ثم قال تعالى : * ( فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ) * قدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه أحدها : أن الزرع أول ما ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان والثاني : وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو لا بد منه . وأما غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان ، فكأن الحيوان يأكل الزرع ، ثم الإنسان يأكل من الحيوان الثالث : إشارة إلى أن الأكل من ذوات الدواب والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة العقلية فكماله بالعبادة . ثم قال تعالى : * ( أفلا يبصرون ) * لأن الأمر يرى بخلاف حال الماضين ، فإنها كانت مسموعة ، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى : * ( ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ) * إلى آخر السورة ، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله : * ( لتنذر قوماً ) * ( القصص : 46 ) وفي آخرها بقوله : * ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) * ( البقرة : 87 ) وذكر التوحيد بقوله : * ( الذي خلق السماوات والأرض ) * وقوله : * ( الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ) * وفي آخر السورة ذكره بقوله : * ( أو لم يهد لهم ) * وقوله : * ( أو لم يروا أنا نسوق ) * وذكر الحشر في أولها بقوله : * ( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض ) * ( السجدة : 10 ) وفي آخرها بقوله : * ( ويقولون متى هذا الفتح ) * .